الشيخ محمد رشيد رضا

24

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وظلمهم لأنفسهم وللناس بين لأهل أم القرى « مكة » ولسائر الناس ما كان يكون من اغداق نعمه تعالى عليهم لو آمنوا بالرسل ، واعتبروا بالسنن ، فقال : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا أي آمنوا بما دعاهم اليه رسلهم من عبادة للّه وحده بما شرعه من الأعمال الصالحة واتقوا ما نهوهم عنه من الشرك والفساد في الأرض بالظلم والمعاصي كارتكاب الفواحش ، وأكل أموال الناس بالباطل ، لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ قرأ الجمهور فتحنا بالتخفيف من الفتح وقرأها ابن عامر بالتشديد من التفتيح الدال على الكثرة ، والمعنى لفتحنا عليهم أنواعا من بركات السماء والأرض لم يعهدوها مجمعة ولا متفرقة ، فإذا أريد ببركات السماء معارف الوحي العقلية ، وأنوار الايمان الروحانية ، ونفحات الالهامات الربانية ، فالمعنى أن فائدة الايمان واتباع الرسل عليهم السّلام تكون تكميل الفطرة البشرية روحا وجسدا ، وغايته سعادة الدارين الدنيا والآخرة ، وإذا أريد ببركات السماء المطر وببركات الأرض النبات كما قيل فالمعنى انها أبواب نعم تكون بركات لهم غير التي عهدوا في صفتها ونمائها وثباتها وحالتهم فيها وأثرها فيهم ، وبذلك تكون بركات فان مادة البركة تدلّ على السعة والزكاء من بركة الماء ، وعلى الثبات ، والاستقرار من برك البعير ، ألم تقرأ أو تسمع قوله تعالى من سورة هود ( 11 : 48 قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ، وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ) فخص المؤمنين بالبركات وجعل نعمة الدنيا متاعا موقتا للكافرين يتلوه العذاب ، ولذلك لم يعطفهم على من قبلهم روى عن محمد بن كعب القرظي انه دخل في تلك البركات كل مؤمن ومؤمنة - وفي ذلك المتاع والعذاب الأليم كل كافر وكافرة . وعن الضحاك قال ( وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ) يعني ممن لم يولد أوجب لهم البركات لما سبق لهم في علم اللّه من السعادة - ( وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ) يعنى متاع الحياة الدنيا ( ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ) لما سبق لهم في علم اللّه من الشقاوة فالقاعدة المقررة في القرآن ان الايمان الصحيح ودين الحق سبب لسعادة الدنيا ونعمتها بالحق والاستحقاق وان الكفار قد يشاركونهم في الماديّ منها كما قال تعالى فيهم من سورة الأنعام ( فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ) فذلك الفتح ابتلاء واختبار لحالهم كان أثره فيهم فرح البطر والأشر بدلا من الشكر وترتب عليه العقاب الإلهي فكان نقمة لا نعمه ، وفتنة لا بركة .